ما لا تعرفينه عن عاشوراء | قصة موسى + البدع + السحر + كيف تحمين نفسك
الكاتبة: فرح الفاسي | التصنيف: الجانب الديني | وقت القراءة: 15 دقيقة
من تجربتي الشخصية
أنا كنت أصوم عاشوراء من صغري — كأم مسلمة تربّت على هذا. لكن قبل سنوات، سمعت كلاماً يقول إن السحر يتجدد في يوم عاشوراء. صدمت في البداية. كيف يوم مبارك فيه صيام النبي ﷺ يكون فيه تجديد للسحر؟
بحثت كثيراً، سألت، قرأت. وتبيّن لي أن هذا الكلام لا أصل له في الشريعة — لكنه انتشر بين الناس حتى أصبح كأنه حقيقة.
كتبت هذا المقال لأن كثيرات منكن ربما سمعن نفس الكلام وأُربكن. والحقيقة أجمل وأبسط مما يُقال.
مقدمة: عاشوراء 2026 — الجمعة 4 يوليو
عاشوراء هذا العام يوافق يوم الجمعة 4 يوليو 2026 — وهذا يوم عظيم مضاعف البركة: يوم عاشوراء الذي صامه النبي ﷺ، ويوم الجمعة سيد الأيام.
لكن قبل أن نتحدث عن فضله وكيف نحييه، لابد أن نتحدث بصراحة عن الأشياء التي يجهلها كثيرون — أو يعرفونها خطأً — عن هذا اليوم المبارك.
أولاً: قصة موسى عليه السلام وعاشوراء — الحقيقة الكاملة
لماذا صام النبي ﷺ يوم عاشوراء؟
حين قدم النبي ﷺ المدينة المنورة مهاجراً، وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء. فسألهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟
قالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وجنوده. فصامه موسى شكراً لله.
فقال النبي ﷺ: "نحن أحق بموسى منكم." فصامه وأمر بصيامه.
رواه البخاري ومسلم — وهذا هو الأصل الصحيح لصيام عاشوراء.
قصة النجاة الكاملة
موسى عليه السلام ربّي في بيت فرعون — العدو الأكبر لبني إسرائيل. عاش في القصر بينما قومه يُعذَّبون ويُستعبدون.
حين أمره الله أن يذهب لفرعون ويطلب تحرير بني إسرائيل، لم يتردد. ذهب بعصاه وأخيه هارون، وقال الكلمة التي حفظها التاريخ: "إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ."
فرعون رفض، وأرسل جيشه خلفهم. وصل موسى وقومه للبحر — البحر أمامهم وجيش فرعون خلفهم. قال أصحاب موسى: "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ!"
فجاء الرد الإلهي العظيم: "كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ."
وضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق اثني عشر طريقاً — طريق لكل سبط من أسباط بني إسرائيل. ودخل فرعون خلفهم، فأطبق البحر عليه وعلى جنوده.
وكان ذلك يوم عاشوراء — العاشر من المحرم.
الدرس الأعمق من هذه القصة
القصة لا تُحكى فقط لنعرف تاريخاً — بل لنتعلم أن الله حين يكون معك، لا يهم من أمامك. فرعون بكل جيشه وجبروته لم يستطع أن يمنع إرادة الله.
وفي حياتك اليومية — حين تشعرين بأن البحر أمامك والجيش خلفك ولا مخرج — تذكّري موسى. وقولي: "إِنَّ مَعِيَ رَبِّي."
ثانياً: الحديث المشهور الضعيف — والحقيقة التي يجهلها الكثيرون
الحديث المنتشر
ينتشر بين الناس حديث يقول: "من وسّع على أهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته."
هذا الحديث يرويه الكثيرون في عاشوراء، ويُعلّقونه في منازلهم، ويتصرفون بناء عليه بشراء الطعام والتوسعة على الأسرة.
الحقيقة العلمية
قال الإمام أحمد بن حنبل عن هذا الحديث: "لا يصح." وضعّفه أيضاً الإمام ابن الجوزي وشيخ الإسلام ابن تيمية والألباني رحمهم الله جميعاً.
وإن كان بعض العلماء تساهلوا في روايته لأنه في فضائل الأعمال، إلا أن الأصح أنه حديث ضعيف لا يصح نسبته للنبي ﷺ.
ماذا يعني هذا عملياً؟
لا يعني أنك تُعاقَبين إذا وسّعتِ على أسرتك — التوسعة في الأكل والإنفاق على العيال شيء جميل في أي وقت. لكن لا يصح أن تنسبي هذا الفعل لسنة النبي ﷺ بناءً على حديث لم يثبت.
الصواب: صومي عاشوراء لأنه سنة ثابتة صحيحة — وأنفقي على أسرتك لأن الإنفاق عبادة في كل وقت، لا بسبب هذا الحديث تحديداً.
ثالثاً: بدع عاشوراء — ما يجب أن تعرفيه
البدعة الأولى: الحزن والعزاء والبكاء
يعتقد بعض الناس أن عاشوراء يوم حزن لأن الحسين بن علي رضي الله عنه استُشهد فيه. ولذا يُقيمون مجالس العزاء، ويلبسون السواد، ويبكون.
الحقيقة: النبي ﷺ صام عاشوراء قبل استشهاد الحسين بعشرات السنين. فضل هذا اليوم ثابت بقصة موسى، وليس له علاقة بما حدث لاحقاً في التاريخ.
قال ابن تيمية رحمه الله: "لم يشرع النبي ﷺ في هذا اليوم لا حزناً ولا سروراً، بل شرع فيه الصيام."
البدعة الثانية: الفرح والاحتفال
في المقابل، يرى بعضهم أن عاشوراء يوم فرح وعيد — فيُزيّنون بيوتهم ويصنعون أطباقاً خاصة ويحتفلون.
هذا أيضاً لا أصل له — لا يوجد دليل شرعي يجعل عاشوراء عيداً أو يوم احتفال.
البدعة الثالثة: الاغتسال والتكحّل
ينتشر بين بعض الناس اعتقاد أن الاغتسال يوم عاشوراء أو الاكتحال فيه له فضل خاص. قال العلماء إن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ بسند صحيح.
البدعة الرابعة: طبخ أطعمة خاصة
في بعض البلدان العربية والإسلامية، يُعدّ في عاشوراء طعام خاص يُسمى "عاشوراء" ويُوزّع على الجيران. هذا في حد ذاته ليس محرماً، لكن إذا اعتُقد أنه سنة أو فرض، فهذا خطأ.
خلاصة البدع: الثابت في عاشوراء شيء واحد فقط — الصيام. وإن صمتِ التاسع معه فهو أفضل.
رابعاً: هل يتجدد السحر في عاشوراء؟ — الجواب الشرعي الصريح
الشائعة المنتشرة
سمعت كثيرات منكن — وأنا منهن — أن يوم عاشوراء يوم تجديد السحر. يقال إن السحرة يُجدّدون سحرهم في هذا اليوم، وأنه يوم خطير على المسحور.
الحقيقة الشرعية
لا يوجد نص شرعي صحيح واحد يقول هذا.
لا في القرآن الكريم، ولا في السنة النبوية الصحيحة، ما يدل على أن السحر يتجدد أو يقوى في يوم عاشوراء.
هذا الكلام مصدره:
- الخرافات الشعبية المتوارثة
- بعض الكتب غير الموثوقة في موضوع السحر
- كلام بعض الرقاة الذي لا سند له
لماذا ينتشر هذا الكلام؟
لأن الناس يبحثون عن تفسير لما يمرون به. وحين يسمعون أن عاشوراء يوم خطير، يربطون به كل مصيبة أو مرض أو ضيق يمرون به في هذه الأيام.
والشيطان يستغل هذا لزرع الخوف وصرف الناس عن العبادة الحقيقية.
ماذا يقول العلماء؟
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "السحر لا وقت له مخصوص يقوى فيه أو يتجدد، والاعتقاد بذلك لا أصل له."
وقال غير واحد من العلماء المعاصرين إن ربط السحر بأيام بعينها من الخرافات التي تُخالف العقيدة الصحيحة.
الموقف الصحيح
يوم عاشوراء يوم مبارك — فيه صام موسى شكراً لله، وفيه صام النبي ﷺ وأمر بصيامه. لا يصح أن يكون يوم خوف من السحر.
وإذا كنتِ تخشين السحر أو العين، فالحل ليس الخوف من يوم بعينه — بل المواظبة على الأذكار والقرآن في كل يوم.
خامساً: كيف تحمين نفسك وأسرتك — حماية حقيقية لا خرافة
الحماية الأولى: المداومة على أذكار الصباح والمساء
هذه هي الحصن الأول والأقوى. من واظبت على أذكار الصباح والمساء فهي في حماية الله طوال يومها. لا يوم واحد — كل يوم.
أهم الأذكار للحماية:
- آية الكرسي — مرة بعد كل صلاة، ومرة في الصباح وفي المساء
- المعوّذتان (الفلق والناس) — ثلاث مرات صباحاً ومساء
- "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" — ثلاث مرات صباحاً ومساء
الحماية الثانية: قراءة سورة البقرة في البيت
قال النبي ﷺ: "اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة." (رواه مسلم)
البطلة: السحرة. يعني سورة البقرة تطرد السحر وتُبطله. اجعلي قراءتها في بيتك عادة أسبوعية — ولو مسموعة.
الحماية الثالثة: المحافظة على الصلوات
الصلاة حصن — من حافظ عليها وأتم ركوعها وسجودها ووقتها، كان في حفظ الله. ومن ترك الصلاة ترك حصنه.
الحماية الرابعة: كثرة الاستغفار
الذنوب تفتح أبواباً للشر. والاستغفار يُغلقها. لا علاقة لهذا بيوم بعينه — الاستغفار في كل وقت حماية وشفاء.
الحماية الخامسة: الرقية الشرعية
إذا شعرتِ بأعراض تشككين في وجود سحر أو عين، فالرقية الشرعية هي الطريق — قراءة القرآن والأدعية الثابتة على النفس. ولا تلجئي لمن يدّعي الكشف والعلاج بطرق غير شرعية.
سادساً: كيف تحيين يوم عاشوراء بشكل صحيح؟
الصيام — هذا هو الأصل
صومي يوم عاشوراء (4 يوليو 2026) وصومي معه يوم التاسع (3 يوليو) — هذا هو الأفضل.
قال النبي ﷺ: "صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله." (رواه مسلم)
يعني يوم واحد يُكفّر ذنوب سنة كاملة — ما أعظم هذا الفضل!
وقال ﷺ حين سئل عن صيام التاسع: "أرجو أن يكفّر السنة الماضية." ويقال إن الحكمة في إضافة التاسع هي مخالفة اليهود الذين يصومون العاشر فقط.
ماذا تفعلين في هذا اليوم المبارك؟
فجراً:
- أذكار الصباح كاملة مع الاستغفار
- دعاء الصيام: "وبصوم غد نويت من شهر رمضان" — لكن في عاشوراء قولي نويت صيام عاشوراء
طوال اليوم:
- الإكثار من الذكر والاستغفار
- قراءة القرآن — ولو جزء واحد
- الدعاء في الأوقات الفاضلة: السحر، بعد الفجر، عند الإفطار
خاصة وهذا العام يوافق الجمعة:
- صلاة الجمعة بخشوع
- الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ
- الدعاء في الساعة الأخيرة قبل المغرب — فهي ساعة الإجابة يوم الجمعة
سابعاً: دعاء خاص ليوم عاشوراء
لا يوجد دعاء خاص ثابت عن النبي ﷺ ليوم عاشوراء — لكن أدعيتك من قلبك في هذا اليوم المبارك لها قيمة عظيمة. ادعي بما تريدين — لنفسك، لأولادك، لأسرتك، للمسلمين.
وهذا الدعاء العام ثابت وجميل:
"اللهم إني أسألك خير هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده."
خاتمة: عاشوراء كما ينبغي أن يكون
عاشوراء يوم نجاة، لا يوم خوف. يوم شكر، لا يوم حزن. يوم صيام وذكر، لا يوم احتفال وبدع.
موسى عليه السلام صامه شكراً لله على النجاة. والنبي ﷺ صامه تذكيراً بهذه النجاة العظيمة وتعليماً لأمته.
وأنا حين أصومه الآن — وأنا أعرف الحقيقة — أشعر أنه أجمل وأعمق مما كنت أتصور. ليس خوفاً من السحر، ولا انتظاراً للتوسعة، بل شكراً لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم نجاة.
صومي يوم عاشوراء مع التاسع — وادعي الله بما في قلبك. فهذا هو عاشوراء كما أراده الله.
شاركينا في التعليقات: هل كنتِ تصومين عاشوراء من قبل؟ وهل سمعتِ معلومات خاطئة عنه غيّرت فهمك له؟ 🌙💚
إذا استفدتِ من هذا المقال، شاركيه — فربما وصل لمن تشوّش عليه فهم هذا اليوم المبارك.